محمود سالم محمد
166
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
واتخذوها ردا وموازاة لما يذهب إليه النصارى في المسيح ، حين احتدم الجدال بين المسلمين وأهل الكتاب إبّان الحروب الصليبية ، وذهبوا في تلوينها وتغييرها كل مذهب ، لكنهم جميعا حافظوا على جوهرها القائم على قدم النور المحمدي الذي خلق قبل خلق الكون ، والذي فاضت عنه المخلوقات جميعها ، فأضحى بذلك علّة الكون ، كما يقول ابن الفارض على لسان النبي الكريم : ولولاي لم يوجد وجود ولم يكن * شهود ولم تعهد عهود بذمّة فلا حيّ إلّا عن حياتي حياته * وطوع مرادي كلّ نفس مريدة « 1 » ومدح ابن عربي الرسول الكريم بصفات كثيرة ، منها المكانة السامية ، وإصلاح الزمان ، ونفاذ إرادته لكنه بدأ مدحه بالحقيقة المحمدية : ألا بأبي من كان ملكا وسيّدا * وآدم بين الماء والطّين واقف فذاك الرّسول الأبطحيّ محمّد * له في العلا مجد تليد وطارف « 2 » وقد يذكر الشعراء المتصوفون الحقيقة المحمدية ، ويدّعون وراثتها ، وكأنهم بذلك يمدحون أنفسهم ، بعد أن مدحوا صاحبها ، وكما كان آل البيت يمدحون بالانتساب إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكان الخلفاء يحرصون على أية نسبة إليه ، مهما كانت بعيدة ، ولو كان تشابها في الاسم ، أو تشبها بالعمل ، فإن المتصوفة مدحوا أنفسهم ، أو افتخروا بالانتساب إلى الرسول الكريم ووراثة علمه عن طريق الحقيقة المحمدية الخالدة ، التي وجدت قبل خلق الكون ، وستستمر إلى يوم القيامة ، فأمّنوا بذلك إشادة لأنفسهم ، وأضفوا عليها شيئا من القداسة ، جعلت الناس تقدرهم ، والسلاطين يتصاغرون أمامهم ، فلا عجب أن يدعي ابن عربي أنه ولد الأنبياء فيقول :
--> ( 1 ) ديوان ابن الفارض : ص 55 . ( 2 ) ابن عربي : الفتوحات المكية 2 / 143 .